الملاذ

لطالما كانت السّماء الزّرقاء والمناظر الخضراء والبحر الهادئ والأجواء شبه العمرانية النّابضة بالحياة هي أفضل مكان للرّاحة والاسترخاء دائمًا بالنّسبة لي. هذه هي سمات المكان المقدس لعائلتنا الحبيبة الذي نجتمع فيه يوميًّا وخاصّةً خلال الفترات الدّافئة.


هذه هي شرفتنا الجميلة.

 
Ghadir Ghamrawi painting.jpg
 


بصفتي مقيمةً في مدينةٍ عربيةٍ لبنانيةٍ تقليديةٍ، لطالما استمتعت وقدّرت أهمية قضاء فترة ما بعد الظهيرة التي تقوم بها العائلة، حيث نشارك تجاربنا اليومية و/أو نتناقش في مواضيعٍ مهمةٍ أو سخيفةٍ جدًا.


حين كبرت كان كل طفل في عائلتنا قد كبر وأصبح مشغولاً بحياته الخاصّة وبدأ يفوّت تجمعاتنا العائلية المعتادة. والبعض منّا كان عليه الانتقال أيضًا إلى خارج المدينة بحثًا عن فرصةٍ تعليميةٍ أو مهنيةٍ جيدةٍ. لذلك ظلّ هذا المكان حزينًا يفتقد بعض أفراد العائلة وأصبح والدينا يزورانه فقط.


ولكن لحسن الحظ، الإقفال العام في سنة 2020 بعد تفشي وباء كوفيد19 أتاح لي الفرصة للعودة إلى منزلي وقضاء شهرين ونصف من الإقفال العام هناك. وبقدر ما كنت أشعر بأنّني محاصرة ومحبوسة بين أربعة جدران حيث ليس هناك مساحة خارجية للخروج وقضاء وقتًا ممتعًا مع أصدقائي وأحبائي، أدركت وجود شرفتنا وبدأت أتذكّر ذكريات طفولتي الممتعة مع العائلة فيها. ولم أتردّد لحظة في اتخاذ قراري بقضاء ليس فقط فترة ما بعد الظهيرة على هذه الشرفة فحسب، بل حتى الصّباح وأحيانًا المساء. لقد استمتعت بكل شيء في هذا المكان بدءً بالأرضية التي تمثّل مساحتي المميزة في الهواء الطلق والكرسي الذي أصبح مقعدي المريح والدافئ ودرابزين الشّرفة الذي يصل ما بين واقع بيتي والإقفال العام والمساحة الخارجية الخالية. لم تسنح لي الفرصة بالاستمتاع بهذا المكان مجدّدًا ولقاء أسرتي وتذكّر طفولتي فحسب، بل كان أيضًا هذا المكان ملاذًا لي خلال الحجر الصّحي الغريب هذا.


قدرة تغيّر هذا المكان خلال الأوقات المختلفة من اليوم تبدو سحرية، ففي الصّباح يقدّم لك مزيجًا من القهوة الصّباحية ممزوجة مع سمفونيات الطّيور الجميلة وديك جيراننا. وفي فترة ما بعد الظّهر يصبح مكانًا هادئًا ومناسبًا للقراءة حيث يأخذك في جولة في الطّبيعة الخارجية حتى تتمكّن من تأمّل منظر البحر، والأراضي الزّراعية الشّاسعة والمسجد والأشجار الخضراء والمباني الأخرى التي تفصله عن البحر. أمّا في اللّيل يتلاشى كل شيء وتبدو جميع عناصر الشّرفة والمساحة الخارجية مختفية، ولكن يمكنك فقط رؤية النّجوم السّاطعة في السّماء. هذا هو المكان الذي اخترت قضاء لياليَّ فيه، أنظر إلى النّجوم واسمع موسيقاي المفضّلة وأتأمّل في كل الضّغوط التي أواجهها خلال النّهار وجميع الأمور المجنونة التي تحدث في العالم.


وبقدر ما نجحت في تحليل الأشياء والبحث عن حلولٍ وتهدئة نفسي في هذه الشرفة، فوجئت أيضًا بالأفكار المجنونة التي خطرت ببالي أثناء إقامتي هناك. يمكنني أن أقول بصراحةٍ أن هذا المكان المميّز المليء بذكرياتٍ عائليةٍ ووقتٍ ممتعٍ بين أم وابنتها أصبح خلال هذا الحجر الصحي هو الملاذ الوحيد في الهواء الطّلق في فترة تفشي وباء كوفيد19. وبالرّغم من العديد من الأوقات العصيبة والأفكار والبيئات الكئيبة التي نواجهها بسبب فترة الإقفال العام الطّويلة، لقد كشف هذه الفترة عن أماكن منسية للكثير من النّاس وأماكن جديدة قد تصبح مكانًا أو ملاذًا جيدًا أو مكانًا خاصًا ممتعًا.


تحية للملاذات المشابهة التي أُعيدت لها أهميتها خلال فترة كوفيد19.


غدير غمراوي ، 26 سنة ، مهندسة معمارية ومصممة مدنية ، تعيش بين بيروت وطرابلس-البداوي